محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

136

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الآخرة ؛ وقال زرّ بن حبيش وابن جريج : الغيب هو الوحي ؛ وقال عاصم بن أبي النجود : يعني بالقرآن ؛ وروى الربيع عن أبي العالية : يؤمنون باللّه وملائكته ورسله واليوم الآخر والجنّة والنار والثواب والعقاب ؛ وروى السدّي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عبّاس : المؤمنون من العرب كانوا لا يؤمنون بالآخرة ؛ فإذا آمنوا فقد آمنوا بالغيب ؛ وقال القرظي : الغيب هو القرآن يحلّون ( 54 ب ) حلاله ويحرّمون حرامه ويعلمون به ؛ وقال زيد بن أسلم : الغيب القدر ؛ وقال الحارث بن قيس لعبد اللّه بن مسعود : يحتسب عند اللّه يا أصحاب محمّد ما سبقتمونا إليه من رؤية رسول اللّه ؛ فقال عبد اللّه : يحتسب عند اللّه إيمانكم بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - ولم تروه ، إن أمر محمّد كان بيننا لمن رآه والذي لا إله إلّا هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب وقرأ : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ؛ 433 وقال القفّال : « 1 » هدى للمتّقين الذين إنّما يتّقون لإيمانهم بالغيب ؛ فإذا آمنوا به جادوا بأنفسهم وأتعبوها بالصلاة التي هي خشوع للّه وتعظيم له ، وجادوا بأموالهم ؛ فأنفقوها في سبيل اللّه مواساة للعباد وشكرا للّه على ما فضّلهم به ؛ فأنعموا على غيرهم امتثالا لأمره ؛ فأثنى اللّه عليهم بهذه الأوصاف ؛ قال : والتصديق بالغيب بجميع ما جاء من عند اللّه على لسان رسوله من التوحيد وأسباب الرسالة والشرائع والوعد والوعيد والبعث والجزاء وما اقتصّه اللّه به من أنباء الرسل والأمم ؛ وأصل الإيمان إنّما يكون بالقلب ، ثمّ يصدّق ذلك بالنطق ليعرب به عن الضمير ، ثمّ يصدّق النطق بالفعل ويحقّق به ، كما يقال : صدّق قوله بفعله . ولأهل المعاني طريق آخر في قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يؤمنون إذا غابوا عنكم ، ولم يكونوا كالمنافقين الذين إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، وهكذا في تفسير الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ؛ * فالمعنى يؤمنون غائبين عن مرأى الخلق لا يريدون بإيمانهم تصنّعا ونفاقا . فعلى هذا الجارّ والمجرور في موضع النصب على الحال ؛ وموضع « الذين » جرّ تبعا للمتّقين ؛ وهذا على مذهب أكثر النحويين ؛ وقال بعضهم : يجوز أن تكون رفعا على إضمار « هم » ، ويجوز أن يكون نصبا على المدح ، أي اذكر الذين .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .